العوالم الخفية لرئيس جمعية حفدة شرفاء سيدي رحال البودالي: حين تتحول الجمعية إلى ملكية خاصة وتُختطف الشفافية تحت الطاولة
العوالم الخفية لرئيس جمعية حفدة شرفاء سيدي رحال البودالي: حين تتحول الجمعية إلى ملكية خاصة وتُختطف الشفافية تحت الطاولة

تُعد الجمعيات ركيزة أساسية في البناء المجتمعي، ومجالاً حيوياً لترسيخ قيم الشفافية، والمساءلة، والعمل التطوعي المنظم، غير أن هذه الوظيفة النبيلة تصبح موضع مساءلة حين تتقاطع الممارسة الجمعوية مع أنماط تدبير فردية، تُدار فيها الشؤون العامة بمنطق خاص، وتُحجب فيها الوثائق، وتُختزل فيها المؤسسات في شخص واحد. وفي هذا السياق، تبرز حالة جمعية حفدة شرفاء سيدي رحال البودالي باعتبارها نموذجاً إشكالياً يستدعي القراءة والتحليل، ليس من زاوية الاتهام المباشر، بل من خلال تفكيك البنية التنظيمية والسلوكية التي سمحت بتشكل ما يمكن تسميته بـ«العوالم الخفية» للتسيير.
لقد انطلقت الأسئلة من ملف مالي محدد، يتعلق بمآل غرامة قضائية صدرت في حق الجمعية، غير أن هذا الملف، بدل أن يُغلق بوثائق واضحة وإجراءات مؤسساتية شفافة، فتح الباب أمام سلسلة من التناقضات، حيث تباينت الروايات بين وجود تنازل موثق، وبين محاولات لاحقة لتنفيذ الحكم نفسه، وهو ما يعكس غموضاً إجرائياً لا يمكن فصله عن نمط تدبير يقوم على الانتقائية في الكشف، والاقتصاد في المعلومة، والتصرف الفردي في ملفات جماعية.
ووفق ما تشير إليه معطيات متداولة داخل الأوساط الجمعوية، فإن التنازل عن الغرامة، التي قُدرت بمبلغ ثلاثين ألف درهم، لم يتم داخل مقر الجمعية ولا بحضور المكتب المسير، بل وُقع في فضاء عمومي، ثم تمت المصادقة عليه في مقاطعة حضرية دون إشعار رسمي لبقية الأعضاء، ودون إدراج الوثيقة ضمن السجلات المحاسباتية أو الإدارية للجمعية. هذا الأسلوب في اتخاذ القرار لا يطرح فقط إشكال المشروعية التنظيمية، بل يكشف عن أحد أوجه «العوالم الخفية»، حيث تُدار الشؤون المصيرية خارج المؤسسات، وتُصاغ القرارات بعيداً عن التداول الجماعي، وتُمرر الملفات دون محاضر، وتُغلق دون أرشفة.
الأمر لا يقف عند حدود الإجراء ذاته، بل يتجاوز إلى ما أعقبه من محاولات لإعادة فتح الملف بطريقة جزئية، حيث تم تقديم شكاية لاحقة تتعلق بسحب مبلغ سابق، رغم وجود التنازل المصادق عليه، وهو ما يعكس تضارباً بين المسار القانوني المعلن، والمسار العملي الذي جرى في الواقع. هذا التضارب لا يمكن فهمه إلا في ضوء ما يسميه المتابعون «ازدواجية الخطاب والممارسة»، حيث تُرفع شعارات القانون والشرعية في العلن، بينما تُدار الملفات بمنطق موازٍ في الخفاء.
ويزداد هذا الوضع تعقيداً حين يُستحضر الإطار القانوني المنظم للعمل الجمعوي في المغرب، الذي يفرض مسك سجلات محاسبية دقيقة، وتوثيق كل عملية مالية بوثائق تبريرية، وإخضاع أي تصرف مالي لموافقة المكتب المسير، مع تحميله المسؤولية التضامنية عن أي اختلالات. إن تجاوز هذه القواعد لا يشكل فقط إخلالاً تنظيمياً، بل يفتح الباب أمام مساءلات مدنية أو جنائية، ويضع الجمعية في مواجهة مؤسسات الرقابة والتفتيش، ويهدد سمعتها ومصداقيتها.
غير أن «العوالم الخفية» لا تقتصر على البعد المالي والتنظيمي، بل تمتد إلى البعد السلوكي والشخصي للرئيس، حيث تشير معطيات متداولة إلى متابعته في قضايا تتعلق بالاستيلاء على موارد عامة، بما في ذلك المياه المخصصة للسقي، فضلاً عن نزاعات ذات طابع شخصي تتعلق بالتصرف في ممتلكات زوجته المسنة ذات الجنسية الأوروبية، في سياق يصفه متابعون بأنه يجسد نمطاً من العلاقات يقوم على المصلحة والالتفاف والغدر. هذه الوقائع، وإن كانت تُعرض بلغة مشفرة، فإنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين السلوك الشخصي والممارسة العامة، وحول مدى انسجام القيم المعلنة مع الأفعال الواقعية.
في هذا السياق، تصبح «عيون الرئيس» رمزاً دالاً على تلك العوالم الخفية، فهي، في نظر المراقبين، ليست مجرد أداة رؤية، بل شاهد صامت على ما يُدار خلف الكواليس، وعلى ما يُخفى عن المنخرطين، وعلى ما يُؤجل كشفه للرأي العام. إن الغموض في النظرات، كما في القرارات، يعكس غموضاً أعمق في بنية التدبير، حيث تُختزل الجمعية في شخص، وتُختزل المؤسسات في توقيع، وتُختزل المحاسبة في تبرير شفهي، وتُختزل الشفافية في شعارات لا تجد طريقها إلى الوثائق.
ومن زاوية تحليلية، يمكن القول إن ما يجري داخل الجمعية ليس مجرد خلل إداري معزول، بل هو تعبير عن نموذج تدبيري قائم على مركزية القرار، وضعف التداول، وتهميش الأطر التنظيمية، وتحويل العمل الجمعوي إلى مجال لتكريس النفوذ الشخصي بدل ترسيخ الخدمة العامة. هذا النموذج، بطبيعته، ينتج أزمات متكررة، ويعيد إنتاج الشك، ويغذي النزاعات، ويقوض الثقة بين الأعضاء، ويحول الجمعية من فضاء للمشاركة إلى مجال للتوتر والانقسام.
إن الآثار القانونية المحتملة لهذا الوضع لا يمكن الاستهانة بها، إذ قد يؤدي استمرار الغموض المالي والتنظيمي إلى فتح افتحاص من طرف السلطات الوصية، أو إحالة الملف على جهات رقابية، أو مساءلة المكتب المسير عن الإخلال بمقتضيات القانون، أو حتى متابعة جنائية في حال ثبوت وجود تصرفات غير موثقة أو استيلاء على أموال الجمعية أو سوء استعمالها. غير أن الأخطر من ذلك هو الأثر الرمزي والمعنوي، المتمثل في فقدان الثقة، وتآكل المصداقية، وتشويه صورة العمل الجمعوي في نظر المجتمع المحلي.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بفتح تحقيق شامل، مالي وتنظيمي وسلوكي، لا تُعد موقفاً عدائياً، بل تعبيراً عن حرص على حماية الجمعية، وصيانة المال العام، واستعادة منطق المؤسسات، وترسيخ ثقافة الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق ما تقتضيه القوانين والأعراف الجمعوية. إن الكشف عن «العوالم الخفية» ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإعادة الأمور إلى نصابها، وإغلاق باب التأويل، وتفكيك منظومة الغموض، وبناء نموذج تدبيري قائم على الوضوح والمشاركة والتداول.
وفي الختام، يمكن القول إن الأزمة التي تعيشها جمعية حفدة شرفاء سيدي رحال البودالي ليست أزمة مالية فقط، ولا تنظيمية فقط، ولا شخصية فقط، بل هي أزمة نموذج، وأزمة ممارسة، وأزمة قيم. وإن تجاوزها لا يمر عبر الصمت أو التبرير أو الالتفاف، بل عبر الوثائق، والمحاسبة، والتداول، والشفافية، وإعادة الاعتبار للمؤسسة باعتبارها إطاراً جماعياً لا ملكية خاصة. أما «العوالم الخفية» التي راكمتها السنوات، فإن الزمن، والقانون، والوثائق، كفيلة بكشفها، ليس من أجل الإدانة فقط، بل من أجل الإصلاح، واستعادة الثقة، وإعادة توجيه العمل الجمعوي نحو رسالته الأصلية: خدمة الصالح العام لا خدمة المصالح الخاصة.
بقلم بهيجة. بوحافة جريدة الواجهة




