تصريحات متناقضة وشبهة تضليل خلال ملتقى وطني: قراءة قانونية وأخلاقية في واقعة مثيرة للجدل
تصريحات متناقضة وشبهة تضليل خلال ملتقى وطني: قراءة قانونية وأخلاقية في واقعة مثيرة للجدل

في سياق وطني يتسم بتعزيز الثقة في المؤسسات العمومية وترسيخ أخلاقيات المسؤولية المهنية، برزت خلال أحد الملتقيات الوطنية واقعة أثارت جدلًا واسعًا وتساؤلات قانونية وأخلاقية مشروعة، عقب تصريحات صادرة عن أحد النشطاء الإعلاميين وُصفت بالتناقض وعدم الاتساق مع الوقائع الميدانية.
فخلال وجبة غداء رسمية على هامش الملتقى، صرّح المعني بالأمر أمام عدد من الحاضرين، من بينهم مهنيون وإعلاميون، بأنه اجتاز الامتحانات الاستدراكية، واستوفى جميع المواد الخمس بنجاح، مستندًا في ذلك إلى شهادة طبية، كما طلب من الحاضرين مباركة هذا “التوفيق”، رغم غموض ظروفه ومسوغاته. وقد أثار هذا التصريح دهشة المتواجدين، خاصة وأن المعني معروف بحضوره المنتظم في الأنشطة الإعلامية، وتمتعه بصحة جيدة، وعدم تسجيل أي انقطاع فعلي عن مهامه المهنية.
وزاد من حدة الاستغراب أن المعني سبق له أن صرّح في مناسبات إعلامية سابقة بعدم قدرته على المزاوجة بين الدراسة الجامعية والعمل الصحفي، نظرًا لظروفه الأسرية والاجتماعية، وهو ما يجعل تصريحه الجديد متناقضًا مع مواقفه المعلنة سابقًا. كما سبق أن نُبّه، في إطار مهني، إلى خطورة الادعاء بـ“نجاح مفاجئ”، لما لذلك من مساس بمبدأ تكافؤ الفرص واحترام المساطر التعليمية.
لاحقًا، وبعد تحرّي المعطيات عبر مصادر موثوقة من القطاعين العام والخاص، تبيّن عدم تسجيل أي شهادة طبية باسمه. وعقب تداول الخبر، صرّح المعني للجهات المعنية بأن حديثه كان موجّهًا لشخص واحد وليس أمام جماعة، وأنه سحب شهادة البكالوريا منذ حوالي عشرين يومًا، وأن ما صدر عنه لم يكن سوى “كلام عابر” وليس تصريحًا رسميًا.
ويُثير هذا التراجع جملة من الاستفهامات المشروعة حول الخلفيات التي دفعته إلى هذا الإنكار، خاصة وأن تصريحاته السابقة صدرت عنه من تلقاء نفسه، وفي سياق جماعي علني، حيث طلب من الحاضرين على مائدة الغداء توجيه التبريكات له بمناسبة “نجاحه المفاجئ”، وكان يبدو عليه الجدية والاقتناع بما يدلي به، الأمر الذي يجعل التراجع اللاحق محاطًا بالغموض ويطرح تساؤلات حول دوافعه الحقيقية ومآلاته القانونية والأخلاقية.
غير أن هذا التراجع عن تصريحات صدرت في سياق جماعي وعلني يثير تساؤلات إضافية، خاصة وأنه، خلال اليوم الأخير من الملتقى، بدا في حالة ارتباك ملحوظة، حيث تم رصده وهو يتسلّم تعويضات التنقل المخصصة لتغطية الملتقى، وهو ما زاد من تعقيد المشهد وعمّق الشكوك حول خلفيات هذه التصريحات ومآلاتها.
وتطرح هذه الوقائع جملة من الإشكاليات القانونية والأخلاقية الجوهرية، من بينها شبهة الإدلاء بمعطيات غير صحيحة أمام الغير، وإمكانية توصيف ذلك ضمن نطاق التضليل أو الإخبار الزائف، فضلًا عن التراجع عن تصريحات علنية دون تقديم توضيح موثق أو تعليل رسمي، والمسّ بمصداقية المؤسسات العمومية التعليمية والصحية عبر نسب إجراءات إليها دون سند قانوني، والإخلال بأخلاقيات المهنة الصحفية وواجب التحفظ المهني، فضلًا عن تناقض التصريحات عبر الزمن بين ما أُدلي به سابقًا للصحافة وما صُرّح به خلال الملتقى.
كما تفتح هذه الواقعة نقاشًا أوسع حول حماية الثقة العامة وصون سمعة المؤسسات العمومية، وضرورة احترام واجب التحفظ عند الإدلاء بمعطيات ذات طابع مؤسسي أو إداري، والتأكيد على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلبة والمتمدرسين باعتباره من ركائز العدالة التربوية والاجتماعية.
ولا تقف تداعيات مثل هذه التصريحات عند حدود الواقعة ذاتها، بل قد تمتد إلى تشويش الرأي العام، والإضرار بصورة الملتقيات الوطنية، وتقويض الثقة في الإعلاميين والفاعلين العموميين، والمساس غير المباشر بسمعة المؤسسات التعليمية والصحية، وإثارة الشك في نزاهة المساطر التعليمية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يخلص التحليل إلى أن الواقعة لا تندرج ضمن الهفوات العابرة، بل تستدعي تقييمًا قانونيًا وأخلاقيًا دقيقًا، بالنظر إلى طبيعة التصريح، وسياقه العلني، وصفة مصدِره، وتناقض مآلاته وتصريحاته السابقة، بما يفرض ضرورة تفعيل آليات المساءلة المهنية والقانونية، ومطالبة المعني بتقديم توضيح مكتوب ومُعلّل، وترتيب المسؤوليات وفق ما يقتضيه القانون.
ويظل الهدف من إثارة هذا الملف ليس التشهير أو التشكيك، بل الإسهام في حماية الثقة العامة، وصون صورة الملتقيات الوطنية، وترسيخ ثقافة المسؤولية والمساءلة البناءة، التي تُقوّي المؤسسات ولا تُضعفها، وتُصلح الممارسة ولا تُشوّه الأشخاص، في أفق إعلام مهني مسؤول، قائم على الصدق، والدقة، واحترام المؤسسات، ومبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتمدرسين.
متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة
9



