الدكتور جواد الشاري صوت مغربي يتجدد في التراث الصوفي ويحيي فن المديح الإسلامي

يُعد الدكتور جواد الشاري من أبرز الأصوات المغربية في مجال الإنشاد الصوفي والمدائح النبوية، حيث نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح علامة مميزة في المشهد الفني الروحي المغربي والعربي على حد سواء. وقد برز الشاري من خلال أسلوبه الفريد الذي يمزج بين التراث الأندلسي والموسيقى الصوفية المغربية، محافظًا على جوهر المديح النبوي وعمقه الروحي، ومقدمًا في الوقت ذاته تجديدًا يلقى استحسان جمهور واسع من الشباب والكبار على حد سواء.
ما يميز الشاري ليس فقط قدراته الفنية، بل أيضًا اهتمامه العميق بالجانب الأكاديمي والثقافي. فقد حصل على شهادة الماستر، وهو ما يعكس مدى اجتهاده في الدراسة والبحث العلمي، وقد نال التقدير الأكاديمي من أساتذته وزملائه. وفي خطوة تكمّل مسيرته العلمية، حصل الشاري على الموافقة للالتحاق بسلك الدكتوراه، حيث يركز بحثه على “الدرس اللغوي والنصوص الشرعية والأدبية”، معتمدًا على مقاربة تجمع بين التحليل الأدبي والدراسة اللغوية للنصوص، بما يثري فهم الجمهور والمعنيين بالمجال على حد سواء.
إضافة إلى ذلك، يواصل الشاري نشاطه الفني، محافظًا على رسالته في نشر القيم الروحية والأخلاقية من خلال الإنشاد. ويظهر جليًا أن الجمع بين الفن والمعرفة الأكاديمية منح مساره طابعًا فريدًا، يجمع بين الإبداع الصوتي والدقة العلمية، وهو ما جعله قدوة للشباب الباحثين عن التوازن بين الثقافة والفن.
نشأ الدكتور جواد الشاري في بيئة عريقة من الناحية الثقافية والدينية، حيث كانت الروحانية جزءًا من يومياته منذ الصغر، ما ساعده على الانغماس في دراسة التراث الصوفي والقصائد الدينية. وكان لديه ميل خاص للإنشاد والأداء الصوتي منذ نعومة أظافره، إذ لاحظ أساتذته وعائلته قدرة فطرية على اجتذاب المستمعين من خلال صوته المعبر والإيقاعات الدقيقة التي يتقنها. ومنذ بداياته المبكرة، تلقى دعماً من أساتذة كبار في مجال الإنشاد الصوفي والمدائح النبوية، وهو ما أتاح له صقل موهبته والوصول إلى مستوى احترافي جعل منه أحد الأسماء المرموقة في هذا المجال.
تميز الدكتور الشاري بأسلوبه الذي يجمع بين البلاغة الشعرية العميقة والإيقاعات الموسيقية التقليدية، مع مراعاة الحس الروحي في كل أداء. وقد قال أحد النقاد الموسيقيين إن أسلوب الشاري يتميز بقدرته على “إحياء كلمات المديح النبوي بطريقة تجعل المستمع يشعر وكأنه يشارك في تجربة روحية حية”، مشيرًا إلى أن الأداء ليس مجرد ترديد للكلمات، بل نقل لروحانيات تمتزج فيها الموسيقى بالنص الشعري والذكر. وقد حرص الشاري طوال مسيرته على أن تكون عروضه تجربة سماعية وروحية، قادرة على لمس القلوب ونقل رسالة المديح النبوي بروح العصر دون أن يفقد المضمون التقليدي والجوهر الصوفي.
من أبرز أعمال الدكتور جواد الشاري التي اكتسبت شهرة واسعة، مقطوعة «يا صلاة الزين»، والتي تتميز بإيقاع صوفي عميق وكلمات تتحدث عن محبة النبي ﷺ وفضائل الصلاة عليه، وقد لاقت هذه المقطوعة تجاوبًا كبيرًا من جمهور المغاربة والعرب على حد سواء، حيث غالبًا ما تتكرر في الحفلات والمناسبات الدينية. كما برزت مقطوعة «الفيّاشية المغربية»، التي تمزج بين الموسيقى التراثية المغربية وإيقاعات المديح الصوفي، لتصبح مثالاً حيًا على قدرة الشاري على الجمع بين الأصالة والتجديد في آن واحد. ومن بين أعماله الأخرى، تحظى مقطوعة «قل للذي لامني» باهتمام كبير، لما تحمله من كلمات صوفية عميقة وأداء صوتي مميز يعكس قدرة الشاري على التواصل مع المستمعين على المستوى الروحي والعاطفي.
كما يمتلك الدكتور الشاري رصيداً كبيراً من الألبومات والتسجيلات الصوتية، وقد نشرت أعماله على منصات رقمية مختلفة مثل يوتيوب وسبوتيفاي وساوند كلاود، حيث يتابعها آلاف المستمعين بشكل منتظم، ويعد بعضها من أكثر المقاطع الاستماع شهرة على الإنترنت. وقد ساهمت هذه المنصات الرقمية في توسيع دائرة جمهوره، خاصة بين الشباب المهتم بالتراث الصوفي والإنشاد الروحي، الذين وجدوا في أعماله مزجًا بين الأصالة الموسيقية والحداثة في الأداء.
إلى جانب إنتاجه الفني، لعب الدكتور الشاري دوراً محورياً في الحفلات والملتقيات الوطنية والدولية. فقد شارك في عروض رمضانية وفعاليات صوفية في مصر ودول شمال إفريقيا، مقدمًا نموذجًا للتبادل الثقافي بين التراث المغربي والعربي. ومن أبرز مشاركاته عروض رمضانية مشتركة مع فرق إنشاد عربية مثل فرقة الحضرة المصرية، حيث جمع الأداء بين المدائح المغربية والمصرية في عروض رمضانية بمدينة الإسكندرية والقاهرة، وحظي حضور واسع وتقدير كبير من الجمهور. كما شارك في ملتقيات ومهرجانات صوفية وطنية ودولية، أبرزها ملتقى دار الضمانة الدولي في وزان بالمغرب، حيث تم تكريمه تقديراً لإسهاماته في نشر المديح الصوفي والارتقاء بالفن الروحي، لتصبح هذه المشاركات نافذة مهمة لنشر التراث المغربي خارج حدود الوطن وتعريف الجمهور العربي والعالمي بالأسلوب الفريد للإنشاد المغربي.
ولا يقتصر تأثير الدكتور الشاري على الأداء الفردي، بل يمتد إلى الجانب التعليمي والتوعوي، حيث يسعى من خلال مقابلاته وورش العمل التي ينظمها إلى تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ المديح الصوفي وأصوله الموسيقية، وتشجيعهم على متابعة التراث المغربي والصوفي بعناية واهتمام. وقد أكد الشاري في أكثر من مناسبة أن هدفه الأساسي هو المحافظة على الموروث الثقافي المغربي ونقله بطريقة حديثة تناسب الأجيال الجديدة، دون أن يفقد أصالته وعمقه الروحي.
ويعتبر النقاد والمهتمون بالموسيقى الصوفية أن جواد الشاري شكل جسراً بين الأجيال، حيث يجمع بين معرفة عميقة بالتراث وإحساس فني يجعله قريبًا من ذائقة الشباب، ما جعله شخصية مؤثرة في المشهد الفني المغربي والعربي. وقد ساهم حضوره القوي على منصات التواصل الاجتماعي في توسيع دائرة جمهوره ومتابعيه، حيث يتابعه آلاف الأشخاص من مختلف أنحاء العالم العربي، كما أصبحت تسجيلاته ومقطوعاته جزءاً من الموروث الفني الصوفي الرقمي، الذي يسعى إلى المحافظة عليه ونقله للأجيال القادمة.
وعلى الرغم من كثافة الأعمال والأنشطة الفنية، يظل جواد الشاري محافظًا على جوهر الفن الصوفي وأصالته في كل عمل جديد، محافظًا على عمق الكلمات وقوة الأداء، مما جعله من بين الأصوات الأكثر تأثيرًا في الساحة الفنية المغربية، وأحد رموز المديح الصوفي الذي يمكن الاعتماد عليه في نقل التراث المغربي إلى العالمية. ويؤكد المتابعون أن أعماله تحمل رسالة إنسانية وروحانية، تتجاوز مجرد الترفيه، لتصبح جزءًا من الوعي الثقافي والديني للمتلقي، وهو ما يجعله ليس مجرد فنان، بل حافظًا للتراث ومجددًا للفن الروحي.
يبقى الدكتور جواد الشاري نموذجاً للفنان المغربي الذي يحافظ على التراث ويعمل على تجديده، مقدماً صورة مشرقة للإنشاد الصوفي في العصر الحديث، كما تمثل مساهماته الفنية وروحه الدينية إضافة نوعية للمشهد الثقافي المغربي والعربي، ورافداً أساسياً لنشر الثقافة الروحية والفن التراثي المغربي على الصعيد العالمي، مما يجعل منه شخصية بارزة في تعزيز الهوية الفنية والدينية المغربية وتأصيلها في ذاكرة الأجيال القادمة. ويستمر الجمهور العربي والمغربي على حد سواء في متابعة أعماله الجديدة، متطلعين إلى مزيد من المقاطع التي تحمل نفس الروح الصوفية الأصيلة، ليظل جواد الشاري صوتًا خالدًا في عالم المديح الصوفي، يحافظ على الإرث ويقدمه بروح العصر، جامعاً بين الذكر والمحبة والفن العميق الذي يتجاوز الزمن والمكان.
متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة




